الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

35

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و مِنْ في قوله : مِنْ عَمَلٍ بيانية لإبهام ما وتنكير عَمَلٍ للنوعية ، والمراد به عمل الخير ، أي إلى ما عملوه من جنس عمل الخير . والهباء : كائنات جسمية دقيقة لا ترى إلا في أشعة الشمس المنحصرة في كوّة ونحوها ، تلوح كأنها سابحة في الهواء وهي أدق من الغبار ، أي فجعلناه كهباء منثور ، وهو تشبيه لأعمالهم - في عدم الانتفاع بها مع كونها موجودة - بالهباء في عدم إمساكه مع كونه موجودا ، وهذا تشبيه بليغ وهو هنا رشيق . ونظيره قوله تعالى : وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا * فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا [ الواقعة : 5 ، 6 ] . والمنثور : غير المنتظم ، وهو وصف كاشف لأن الهباء لا يكون إلّا منثورا ، فذكر هذا الوصف للإشارة إلى ما في الهباء من الحقارة ومن التفرق . [ 24 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 24 ] أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ( 24 ) استئناف ابتدائي جيء به لمقابلة حال المشركين في الآخرة بضدها من حال أصحاب الجنة وهم المؤمنون ، لأنه لما وصف حال المشركين في الآخرة علم أن لاحظ لهم في الجنّة فتعينت الجنة لغير المشركين يومئذ وهم المؤمنون ، إذ أهل مكة في وقت نزول هذه الآية فريقان : مشركون ومؤمنون . فمعنى الكلام : المؤمنون يومئذ هم أصحاب الجنة وهم خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا . والخير هنا : تفضيل ، وهو تهكم بالمشركين ، وكذلك أَحْسَنُ . والمستقر : مكان الاستقرار . والمقيل : المكان الذي يؤوى إليه في القيلولة والاستراحة في ذلك الوقت من عادة المترفين . [ 25 ، 26 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 25 إلى 26 ] وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً ( 25 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً ( 26 ) عطف على جملة يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ [ الفرقان : 22 ] . والمقصود تأييسهم من الانتفاع بأعمالهم وبآلهتهم وتأكيد وعيدهم . وأدمج في ذلك وصف بعض شؤون ذلك اليوم ، وأنه يوم تنزيل الملائكة بمرأى من الناس .